استيقظ بغتة، أنفاسه تتلاحق
كالناجى من الغرق، جفونه لازالت تطبق على عينيه ..
"مؤلمة أليس كذلك؟" قالها
صوت كحفيف الأشجار صادر عن رجل يشبهه تماماً يجلس على طرف الفراش، فتراجع الآخر
مذعوراً وقال فى تعجب امتزج بالخوف: ولكنك، غير ممكن!
- الماضى لا يموت، هل تعتقد أنك يمكنك التخلص
منى والمضى بهذه السهولة؟
- سأفعلها، أقسم أننى سأفعلها!
- حقاً؟ إذن أخبرنى كيف ستتخلص من تلك الذكريات
التى تهاجمك فى أحلامك؟
- لن أنام!
ضحك شبيهه فخرج صوت الضحك
كالصراخ، صراخ عالٍ للغاية جعل صاحبنا يضع يديه على أذنيه ويصرخ هو الآخر: كفى!
نهض الآخر وقال بصوته الهامس:
الآن تدرك مقدار المأساة فى الأمر ما تراه أنت من ذكريات تسميها كوابيس عشته أنا،
كان حياتى اليومية!
قالها واتجه نحو صاحبنا وأمسك
بشعره ثم جذبه بعنف ساحباً إياه نحو المرآة ووضع وجهه أمامها وقال بغضب: أنظر، نفس
الشكل تقريباً!
- نتشابه فى الشكل فحسب!
- خطأ، أنت حتى لا تستطيع اثبات هذا
- بل أستطيع، دعنى أرى!
قالها ونظر فى عينى شبيهه بقوة
جعلته يشيح بوجهه قائلاً بصوت لم يخفِ توتره: ماذا تفعل؟
فرد صاحبنا مشيراً بيديه قائلاً
بحدة: مشاريعك الكتابية التى لم تنتهِ بعد
تراجع شبيهه قائلاً بصوت أظهر
توتره وخوفه الذى حاول اخفائهما: ماذا عنهم؟
ركض صاحبنا والآخر يركض خلفه
حتى وصل للمكتب وأمسك مجموعة من الأوراق، وقال بصوت غاضب وبعينيه نظرة قاسية:
ودعها الآن!
قالها ومزق الأوراق وألقاها على
الأرض وعيون الشبيه تتابعها ومع كل قطعة من الورق تسقط على الأرض تسقط دمعة من
عينيه فألقى نفسه على الأرض يضم الأوراق إلى صدره وهو يقول بصوت مبحوح: ماذا فعلت؟
ماذا فعلت؟
بينما استعاد صاحبنا تفاصيل
الكابوس أو قل الذكريات، استعاد كل شىء وهو ينظر إلى شبيهه بنظرة تحمل ما بين
اشفاق على بكائه وحالة الهستيريا التى أصابته وهو يتمتم ما تحتويه الأوراق كترنيمة
حزينة ويمثل ما بها من مواقف ومشاهد وبين غضب يتأجج فى أعماقه، حتى وصل لنقطة
معينة وحينها ركل شبيهه فى وجهه وانقض عليه يكيل له اللكمات واحدة تلو الأخرى
فتناثرت الدماء من وجهه حتى دفع صاحبنا من فوقه بقدميه واستمر عراكهما حتى وصلا
قرب النافذة فأمسك الشبيه برأس صاحبنا وصدمها بزجاج النافذة محطماً إياها ثم أحس
صاحبنا بيدى الشبيه تمسك بقدميه وارتفع عن الأرض و ..
وسقط!
سقط من الأعلى وهو يلقي نظرة أخيرة
على وجه الشبيه الذى اعتلت ابتسامة ظافرة فمه وقبل أن يصطدم بالأرض توقف كل شىء وانفجر
الظلام بعمود من النور تلاشى معه الشبيه تماماً واتجه لصاحبنا قبل سقوطه يمسك به، غطى
عينيه بيداه ليحمها من ذلك الضوء الشديد الذى بدأ يخف شيئاً فشيئاً وظهرت هى تجلس
بجانبه ..
ما أن رأها حتى تمتم فى ارتباك:
أنا أعرفك، لقد رأيتكِ من قبل ..
فى كابوس، لا أقصد حلم، رأيتك فى حلم! من أنتِ؟
فى كابوس، لا أقصد حلم، رأيتك فى حلم! من أنتِ؟
ابتسمت فى هدوء وقالت بصوت وقور:
أنا المستقبل!
فهز رأسه بقوة وكأنه يقلب ما
بها من ذكريات وهو يقول: ولكننى رأيتكِ من قبل، فى الماضى!
قالت بصوت يخف ويتلاشى شيئاً
فشيئاً معها: ربما رأيتنى فى الماضى من قبل ولكن المؤكد أننى لست جزءً من ماضيه هو!
ومالت على أذنه هامسة: لم يأتِ
وقت ظهورى بعد، ولكنه اقترب!
قالتها فغمر النور كل شىء ..
كل شىء تماماً!
انتفض من نومه فجأة يحدق فى
الغرفة من حوله ويتحسس جسده ثم ألقى نظرة على طرف الفراش!
لم يكن أحد هناك، ولكنه سمع صوتها
يهمس فى أذنه: الآن ولدت!
الآن تخلصت منه، ليس عليك سوى
المضى قدماً وستجدنى ..
مؤكد ستجدنى!!
***