الأربعاء، 6 فبراير 2013

بشر - مقال

الكائنات البشرية هبطت على الأرض منذ ألاف السنين ..
الأرض كوكب هادىء نسبياً مقارنة بشركائه فى المجموعة الشمسية وكبقية الكائنات الحية تطور البشر، فمن بشرى يرتدى بالكاد ما يستر عورته إلى ثرى إنجليزى يرتدى بدلة يكفى ثمنها لسد عجز أسرة ريفية تسكن حدود لندن ، ولم ينس القبعة السوداء والعصا المذهبة ..
ثم عادوا للعرى ثانية بإرادتهم طارحين أثواب القماش جانباً بينما التصق بأجسادهم أثواب الزيف والخداع والتملق ..

لعل هذه كانت البداية لنهاية ما قادمة لا نعرفها بعد، الحقيقة أن الجنس البشرى لم تعجبه فكرة العيش فى جماعات كثيراً فصاروا يقسّمون انفسهم على مضض، دول كبيرة ودول صغيرة ودويلات وداخل كل كيان من هذه الكيانات يوجد كيانات أصغر، محافظات وولايات وقبائل وعشائر بل وصاروا يقسمون أنفسهم تبعاً لإنتمائتهم سواء إلى جماعات علنية أو سرية عادة ما تكون ذات طابع سياسى أو دينى وربما يكون إنتماء الفرد لها اكبر من إنتماءه لبلده، وعلى أى حال كلما صغرت الجماعة كلما راقت للبشر وصاروا اكثر إنتماءاً وحرصاً عليها ثم صاروا يرفضون الاخر، أى أخر خارج  الجماعة، يتمنى كل منهم لو كان الكون له وحده!
ولو تكلمنا عن كل شعب أو قبيلة من البشر على مر التاريخ فسنجد المزايا والعيوب والعادات المختلفة، حتى الطقوس الدينية للدين الواحد تختلف من شعب لأخر، ولكل بقعة من الارض قانون مكتوب على الهواء الذى يتنفسه أهلها ..

لنكن منصفين إذاً يا سادة فأنا اكتب بالعربية وأعيش بمصر، لست فضائياً يحدثكم عن أصل جنسكم ونشأته، أنا فقط أريد أن أرى البداية عبر أعينكم ولكن بالتأكيد وكبشرى أصيل سأتحدث عن الأرض والشعب الذى انتمى إليه وليذهب أى شىء أخر للجحيم!

سأتحدث عن الشعب الرائع الذى لم تجوب البشرية بمثله، شعب خرج منه خير أجناد الارض بل هو خير شعوب الارض على الاطلاق، هو ملح الارض وشعب الله المختار ..
كفانا مجاملات، أعلم أن وجه كلاً منكم أحمرّ من الخجل والحقيقة أننا بالفعل شعب مجامل فنحن الشعب الوحيد الذى تغنى بحلاوة شمسه بالرغم من أنها تصفع رأسه طوال شهور الصيف وحين يأتى الشتاء تختبىء منه خلف السحاب!

لا يا سادة تلك التى مضت لم تكن بداية صحيحة فلو أن الفراعنة بنوا أهرامات ومعابد لتدل على عظمتهم وتقدمهم المعمارى فالجيل الحديث بنى أهرام ومعابد من الكلمات لتدل على عظمته وحان الوقت لنهدم هذه الاساطير البالية ..
هذا وطن يعانى معظم افراده فالبشرى المصرى معقد نفسياً تحاصره ظروف قاسية من كل جانب، الجميع يتلاعبون بمصيره ولا يملك من أمر نفسه شيئاً، يسرقون قوت أبناءه ثم يرتدون البذلات الفخمة ويخرجون عليه ببيانات عن حبهم للبلاد والعباد، صارت نفسيته كالثوب المهلل فما كان منه إلا أن صنع لنفسه زى انسانى فقط ليحاكى به بقية البشر، وما لا تستطيع إنجازه بالفعل يمكنك تحقيقه بالكلمات، ومن هنا ظهرت العبارات التى تتحدث عن كون الطفل المصرى اذكى طفل بالعالم، وإن كان الامر كذلك فنحن نتحدث عن طفل واحد فحسب أما بقية الاطفال هم إما يعانون المأساة التعليمية أو أطفال شوارع يدخنون السجائر من قبل سن العاشرة ويعبثون بالمارة من النساء ثم يعبثون ببعضهم البعض وبعدها يعبثوا بالوطن بأسره، أما عن الوطن فقد صار العاهرة التى يعبث بها الجميع منذ زمن!

طبقات وفئات المصريين واختلافات مذاهبهم وانتمائتهم وجماعاتهم واحزابهم كثيرة للغاية، التفرق سائد بإكتساح تستطيع أن تشم رائحته مع روائح العوادم، حتى الكرة فشلت فى جمعنا وصارت الناس تُقتل فى مبارياتها، ولو أن فريق مصرى يلاعب أخر أجنبى لشجع الفريق الاجنبى الكثير من المصريين نكاية فى الاول ولا عزاء للوطنية!

صدقاً لا أعلم من أين أبدأ ولا كيف أنتهى فما تقرأه ليس بكلمات بل هى صرخات مكتوبة!
لماذا لا نقف للحظة وننظر للحال الذى وصلنا له ونبكى جميعاً؟ ألابد أن تصل مسيرة الشهداء إلى بيتك وينضم لها أحد افراده حتى تبدء البكاء؟
فى هذا الوطن الجميع معرضون للشهادة حتى أبنك الرضيع قد يقتله أهمال طبيب عندما تصيبه حمى الاطفال، وأبنتك قد يقتلها معلمها وهى تقاوم محاولته لاغتصابها، وزوجتك قد يصدمها شاب طائش ويسرع بعربته هارباً، وامك العجوز قد يخنقها كم التلوث الذى تتنفسه بل قد تموت من الحسرة! هل تعرف شعور الموت من الحسرة؟ إنه كوضعك القلب فى إناء من حمض الكبريتيك ..

كفانا خداع وحديث عن المستقبل المشرق الذى ينتظره الجميع، كفى مسكنات تزيد الوضع سوءاً وتخدر جسد الوطن، هذا وطن ينهار بأنهيار كل فرد فيه!
مصر يا سادة هى رسالة الله لنا التى كفرنا بها جميعاً!
كفرنا بها وبصقنا عليها ثم شمر الرجال منا وبال فى نيلها غير أبه ..
لا يوجد كلمات مناسبة قد تصف مدى سوء الحال، إنهم يقتلونك بأسم الله والوطن، نعم يسمون الله ويحيون الوطن بينما يمر سكينهم هاتكاً طبقات جلدك وهاتكاً لعرض الوطن الذى يتمثل فى أستباحة دماء أولاده ..
الجميع يصرخ بها "الدم المصرى غالى" ، بل رخيص!
تعلموا أنه رخيص، الدم ينساب عبر شرايين الشهداء على أرض لن تتحرر، على أرض لن يجدوا بها ضمة حنون ويشعروا بدفئها إلا وترابها ينهال عليهم فى مقابر الصدقة، الدم يُسرق من أطفال الشوارع لسد حاجة أثرياء العواجيز، الدم يبيعه غير القادرين بعد أن لا يجدوا أعضاء متبقية للبيع، الدم رخيص للغاية!!

يقتلونك ويكبرون الله قولاً بينما تهتف افئدتهم مكبرة السلطة، كل المحرمات صارت تفعل بأسم الله، تسحق عظام الفقراء بأسم الله، تُشترى الاصوات بأسم الله ونصرة له، والشعب المتدين بطبعه وبالرغم من أن الاسلام نهى عن التنابذ بالالقاب إلا أن أحداً لا يستحى أن يسخر من خصمه وشكله، الجميع يتبادلون السباب فى كل مكان بدءاً من الشارع إلى شاشات الفضائيات، والشعب الذى اشتهر بالشهامة صارت كل فرقة فيه تنشر للعالم صور قتلاها وتصرخ "أنظروا كم هم قساة أعدائنا؟"

صار الرجال بحاجة لزجاجة بيريل فارغة يضعونها على اقرب طاولة لباب البيت اثباتاً للرجولة، ولزبيبة صلاة كبيرة اثباتاً للتدين!
إنه عصر المظاهر، عصر يغير فيه الناس لون أعينهم وتركيبة جسدهم، حتى الازياء صارت غريبة، فى الماضى كان للرجال زى مميز والامر كذلك بالنسبة للنساء، الان ترى المساواة فى أجل صورها!
لعلها تقاليد غربية قلدناها راضيين ..
أنا لم انس أن بالغرب بشر هم وراء شىء ليس بالقليل مما يحدث هنا، وليس عليك إلا الذهاب إلى أحد الاماكن السياحية لتعلم كيف هى نظرة المصريين للغرب ..
فماذا نقل لهم الغرب من ثقافته؟
ماذا فعل الغرب المتقدم لدول العالم الثالث؟
فقط قدم لهم بعض الخطابات السياسية لساسة قتلوا شعوب وجيوش، وبعض المعونات التى لطالما ساندت النظم التى أستعبدت شعوبها، وعلى الصعيد الثقافى قدم لهم الأفلام الإباحية وأفلام أخرى تتحدث عن القتلة ومروجى المخدرات ..
صار الغرب فى أعين شعوب العالم الثالث ليس إلا مجموعة من القتلة والساسة الفاسدين ومروجى المخدرات والعاهرات!

أما عن الماضى فتناول التاريخ عند المصريين هو أمر يدعو للعجب حقاً!
إنهم يقرأونه ويتعجبون منه ثم يستنكرونه وبعدها يعيدونه نصاً ثم يتعجبوا ثانية ويقول أحدهم فى بلاهة "سبحان الله، شوف يا أخى التاريخ بيعيد نفسه إزاى!"

أعلم أن الكلمات صارت لا تجدى، إنها فقط دعوة للتوقف والتأمل ثم البكاء والتضرع إلى الخالق الذى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم!


***

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

رسالة لحاضر غاب - قصة قصيرة

سيدى المرسل إليه ..
لأصدقك القول هذه هى المرة الأولى لى فى كتابة الخطابات على الإطلاق، ولو وقعت عين أحدهم على هذا الخطاب لضحك منى واتهمنى بالجنون!
نعم أرسل خطاب لك بعد أن توفاك الله، نعم أرسل خطابى الأول لك دوناً عن الأحياء لأننى أريد مخاطبتك أأأنت!
ولعلك تتساءل عن السبب، فى الحقيقة استوقفتنى جملة كتبتها ..
هى جملة بسيطة أنيقة لم تصل حتى لآخر السطر التى انتظمت عليه حروفها ولكنها أحالت ليل دنياى نهاراً فصرت فى نهار متواصل لا يعطى فرصة لنوم أو لراحة بال، دعنى أحدثك عن نفسى ..
لا يا سيدى، إياك أن تظن أننى أرسل لك هذا الخطاب لأوجع رأسك ببعض الأمور الشخصية التافهة، الأمر أكبر من هذا ولكن لنصل إليه علينا أن نبدأ من تلك النقطة الصغيرة، من حدث لن يغير أى شىء فى العالم ..
عائلة فلسطينية أخرى ترزق بمولود شاء الله أن يولد بهذه البقعة من الأرض، كنت أنا هذا الطفل وكبرت ..
كبرت وسنة تلو الأخرى وأنا أفهم وأدرك مأساوية الوضع الذى وضعتنى به الحياة فقررت أن أحافظ على حياتى، قررت أن أتكفل بذاتى فحسب وأن أحيا ..
أحيا حياة كريمة قدر المستطاع لا خلف أأسوار معتقل وحاولت قدر المستطاع أن لا ينتهي بي المطاف إلى جسد مثقوب يحمله العشيرة صارخين مكبرين وتتناقل صوره وكالات الأنباء ..
صرنا نستجدي رحمة العالم بصور الجثث!
يبدو أننى تسرعت ووصلت للمشكلة، احتملنى فهاهى الرسالة على حافة النهاية، كبرت يا سيدى ..
كبرت ولم أحمل يوماً حجراً أو قلماً، كنت إنسانا أعزل لا يرغب إلا فى الحياة وحتى عندما مات صديقى فى المعتقل وحين رأيت أهله يتسلمون جثمانه الذى طاله عفن الموت لم امسك بسلاح ما ..
بكيت، فقط بكيت!
ولكن فى اليوم التالى مسحت الدموع وسكنت القضية كل خلية فى جسدى .. كان علينا المقاومة، والمقاومة تبدأ بقلم أو بحجر وحين أخذتنى القضية وجدتنى أتابع ردود فعل ذلك العالم القاسي ..
الأمر مؤسف فلو نظرت للعالم ككل ستجد من لا يعرف بوجودك من الأساس، لذا فعليك بالنظر إلى الأخوة أصحاب اللسان الواحد والوطن الواحد والمصير الواحد، إخوة الدم والدين واللغة ..
والحقيقة أن ردود أفعالهم تباينت وكانت مخيبة حد الضحك الباكي، كلما قصفت غزة - وهى المكان الذى أعيش به بالمناسبة - تجدهم قد اجتمعوا لينددوا ويغضبوا ويلعنوا العدو، وربما فى جلسات السمر تغنوا ببعض مما كتبته أيديهم أو ربما ما كتبته أنت عن فلسطين!
أعمال أدبية تحفظ فى الأدراج وكلما حلت بنا مصيبة ما أخرجوها وأعادوها على مسامعنا، وهذا كله مقبول!
الجديد يا سيدى أن الإخوة ملوا هذا فبعضهم صاروا يهتفون كلما سمعوا استغاثاتنا داعين الله أن يقضي علينا الأعداء لينسوا همنا المحمل فى أعناقهم، صرنا كشحاذ يبالغ فى إظهار فقره وبلايا جسده بينما يتقاذفه المارة بكل قرف!
أتعلم يا سيدى، فى مرة أحسست أن الأرض نفسها تصرخ بنا اهربوا!
ابحثوا عن وطن آخر فأنا ليس بى سوى الدم، وكأنه صار لأجل
أن يضمك الوطن عليك أن تكون ملتحفاً بعلم البلاد قبلها وحينها يقبل بك ساكناً هادئاً يرقد فى سلام، هذه البلاد لا تعرف سلاماً إلا تحت طبقات رملها الذهبي ..
ها هى نهاية الخطاب قد أتت، خطاب أكتبه إليك وأنا أرتدي حزاماً ناسفاً!
أردت أن أفعلها بالطريقة القديمة فالعبوات لا تجدي أحياناً كما أن صرخة الله أكبر التي نطلقها قبل التفجير تخيفهم أكثر من الموت نفسه!
لعلك تتساءل الآن أكثر من ذى قبل أى جملة تلك التي أتساءل عنها ..
ألست أنت من قال "على هذه الارض ما يستحق الحياة" ؟
وسؤالى لك سيدى ..
ألا يوجد على هذه الأرض ما يستحق الموت لأجله؟


                                                        مواطن فلسطينى عربى
"هذا لو لم يتبرأ منا العرب بعد"


***

أعراض طفولية - قصة قصيرة

يجلس على مكتبه حائراً، كل أعراض التفكير مرسومة على وجهه، الأعين الزائغة، الفم المفغور، وفجأة ظهر أمامه عجوز أشعث يتكأ على عصا من المعدن فقال الشاب بلهجة ساخرة: هو ليه دايماً راجل عجوز؟ هى القصص مبتتغيرش أبداً؟ يلا اتفضل انصحنى ماهى نقصاك!
بدا على العجوز الاضطراب وهو يتقافز ثم همس بصوت مكتوم: الحمام! عايز اروح الحمام!
نفخ الشاب فى ملل وهو يقول: طلعتنى من جو الدراما، اتفضل أهو هناك على شمالك!
عاد الشاب للجلوس على مكتبه ولم تمض دقيقة حتى ظهر العجوز جواره فجأة فقال الشاب بلهجته الساخرة: مخضتنيش على فكرة!
أشار له العجوز بعصاه قائلاً: اصبر بقى خلينا نقول الكلمتين
أشاح الشاب برأسه وهو يقول بملل: عارفهم! قديمة!
رد العجوز متعجباً: عارف إيه؟
صاح الشاب: اللى هتقوله!
مال عليه العجوز هامساً: طب هقول إيه؟
اقترب الشاب من أذنه وهمس ببعض الكلمات فصاح العجوز: آدى اللى خدناه من الانترنت!
ثم اختفى كما ظهر، التفت الشاب لينفض بيده سحابة الدخان التى تركها العجوز مكان اختفائه فوجد فتاة تقف بجوار السرير تمثل كل ما تحمل كلمة جمال من معنى وبيدها تفاحة وما أن قضمت قطعة منها حتى سقطت على السرير مغشياً عليها فصرخ الشاب: نهار أزرق، هتجيبيلى مصيبة!
حملها واتجه ناحية شباك غرفته وألقى بها ثم نفض يديه وعاد يجلس على كرسى مكتبه فسمع صوت تحطيم خافت فاعتدل واقفاً ليرى شاباً فى حجم عقلة الإصبع قد دهسه عند جلوسه فهمس الشاب: إنت إيه اللى وداك هناك؟
ثم حمل جثته وألقاها لقطته التى مضغتها فى تلذذ، وأخيراً لمحت عيناه ما ظنه فى البداية حبلاً طويلاً يتدلى بجوار شباك غرفته ففتح الشباك ليجد أن الحبل ليس إلا شعر جارته الذهبى فأستأذن منها فى توصيلة وسمحت له وما أن أمسك بالشعر الذهبى حتى اختفى، وسقط!

"اكتب يا بنى، أعين محولة، فم وأنف فى وضع استنكار غريب، لسان مدلى خارج الفم، وعلامات بلاهة عامة تغطى وجه الضحية، اكتب كمان إن فى قصص مصورة وجدت جنب الضحية وإن سبب الحادث غالباً الانتحار"

تابع الشاب كلام ضابط المباحث فى غيظ وكان قد ارتدى زى أبيض ونبت له جناحان صغيران كما أنه كان يمسك بقيثارة ذهبية وهو يتجه للسماء!


***

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

طريق سعادة إجبارى - قصة قصيرة

وقفت واضعاً عيناى على نظام نظرة ثابتة هائمة وعدلت من وضع صدرى إلى وضعية تنهيدات حارة متقطعة وأوقفت كل مهام عقلى الروتينية وأنا أنظر إلى عينيها سوداء اللون فى استسلام تام، استسلام مريض للنوم نتيجة لحقنة بنج مركزة ..
نعم يا سادة، إنه الحب!

- أستاذ محمود مش معقول كدة بقالى خمس دقايق واقفة، فين دوسيه المناقصة؟

كاد يقفز مخى خارج جمجتى ويهتف بها: أستاذ محمود مش فى حالته الطبيعية، مش وأنتى قدامه على الاقل!
افقت أخيراً من سكرات الحب هذه، فتحت الدرج الثانى وتحسست يدى المظروف الثالث فى ذلك الصف الطويل واخرجته ثم أعطيته لها وإبتسامة بلهاء واسعة تملىء وجهى، نظرت لى فى ريبة فرفعت أربع من أصابع يدى اليمنى مشيراً لها بالتحية وإبتسامتى تزداد اتساعاً وبلاهة، تبسمت محاولة منع ضحكاتها ودخلت مكتبها ..
صرت اتقافز فى مكتبى ويصدر فمى كركرة طفل قد انتقل للتو فى رحلة بين السماء والارض منتقلاً بين يدى والده على نغمات دقات قلب أمه الخائف حين فتحت باب مكتبها ثانية، توقفت عن القفز فأرتفع حاجباها فى دهشة وقالت: على أى حال متخليش حد غيرك يزعجنى!
أعتقد أن الابتسامة التى ملأت وجهى ثانية كانت مناسبة تماماً لقياس طول شفتاى ثم أومأت برأسى مجيباً لأمرها، اغلقت الباب فجلست على مكتبى ومرت نصف ساعة فساعة فساعتين وأنا على هذا الحال حتى بدأت عيناى فى التفريط فى الدموع فهمست لنفسى: مش دلوقتى، مش هنا على الاقل!
ترى لم فكرت فى البكاء هذه المرة، كان سبب بكائى لا يفارقنى وكأنه يريد سيولاً من الدموع يروى بها شعيرات ذقنى التى بدأت تنبت على أمل ألا يجزها موس حلاق ككل مرة ..
سبب بكائى يا سادة أن عكس كل القصص المعتادة فانا لست المدير وهى السكرتيرة، إنه العكس تماماً فأنا أعمل لديها، بل وموظف غير ماهر بالمرة، أنا حتى لا أعلم لم تبقى علىّ إلى الآن!
ربما تتسائلون الآن عن سر سعادتى الاولى، حسناً الامر بسيط فأنا كمن أحرز هدفاً ولكنه الهدف الوحيد فى مبارة أحرز فيها الخصم دستة أهداف، إنه هدف حفظ ماء القلب بالنسبة لى .. رؤيتها!
تلك المعجزة التى تحدث يومياً، أصدقونى القول يا سادة فرؤية من تحب هى نعمة تستحق كل الشكر!

- محمود عايزاك!

تلك الجملة! إنها السحر ذاته، تقولها فتسلب منى روحى التى تتنطلق مع جملة "جاى حالاً" فتسبقنى إليها، كفانا حديثاً إنها تنتظرنى الآن!
طرقت الباب ودخلت فلم أجدها، اقتربت من مكتبها قليلاً فوجدت رأسها مدفونة وسط اكوام من الاوراق وما أن أحست بوجودى حتى هتفت بصوت رجولى غريب: بقولك أيه يا أستاذ محمود معلش، عم رجب مجاش انهاردة وأنا محتاجة قهوة ضرورى!
هتفت فى إستنكار: أيه ده!
نظرت إلى تلك النظرة الغاضبة المستنكرة فأكملت بسرعة: إزاى عم رجب يعمل كدة، ثوانى وتكون القهوة جاهزة!
إبتسمت وعادت لأوراقها ..
أه، تلك الحركتان المتتاليتان .. غضب وإستنكار ثم إبتسامة عذبة!
أحس معها إننى أسقط من الطابق الخامس عشر وأثناء سقوطى بجوار الدور الثانى المح فتاة ملائكية صغيرة تبتسم وتلوح لى فأبتسم بدورى فاتحاً ذراعى للأرض!

تركت لها قهوتها وعدت لمكتبى أنهي بعض أعمالى حتى دقت ساعة مكتبها معلنة الرابعة ففتحت باب مكتبها ثم ألقت علىّ التحية اليومية المعتادة: أنا خلصت يا أستاذ محمود، متنساش تقفل المكتب كويس!
أومأت برأسى وأنا أتابعها تخطو مغادرة وأنهيت ما كنت أفعله ثم غادرت بدورى، على ناصية الشارع وجدتها هناك داخل إحدى السيارات تجلس على المقعد المجاور للسائق والمقعد المجاور لها فارغ، فاتجهت بكل ثقة وفتحت باب السيارة وجلست بجوارها فصرخت فىّ: أستاذ محمود، بتعمل أيه؟
قلت متعجباً وأنا أخرج مفتاح السيارة: هنهزر بقى؟ أنا خايف لتصدقى موضوع السكرتير ده بجد!
مالت علىّ فى دلال وهمست: ما أنت إللى مش راضى أجيب حد تانى لحد ما السكرتيرة الجديدة تيجى
أمسكت أذنها بيدى وأنا أعيد عليها ما حفظته بالفعل: مية مرة اقول مفيش رجالة يشتغلوا فى المكتب وأنا اجازتى هتخلص قريب وهرجع شغلى والسكرتيرة الجديدة هتبدء شغلها كمان يومين، وعم رجب ده بقى لازم يمشى!
افلتت أذنها من بين يدى وأصطنعت الغضب فقلت بسرعة: عم رجب لازم يفضل!
أبتسمت وقالت فى شفقة: ده راجل غلبان، وبعدين مش كفاية بينزل يوم فى الاسبوع!
ادرت السيارة وأنطلقت بها فتسلل تيار من الهواء عبر نوافذها وحينها لمعت دمعة بعيناى فقلت لها بصوت ملؤه الضيق: تعرفى إنى فكرت أنهاردة أن موضوع السكرتير ده بجد!
همست: وبعدين؟
فرددت: ملكيش دعوة
صاحت: يا سلام!
أمسكت يدها مُقبلاً أياها وأنا اقول فى شغف: عارفة الواحد مبيعرفش قيمة كل حاجة حواليه إلا فى تجليات فكرية كدة بتجيلى ساعات و ..
قاطعتنى صارخة: نظريات فلسفية تانى!
التفت برأسى لها وأنا اقول: بقيتى بتكرهى النظريات الفلسفية دلوقتى؟
صرخت: الطريق يا محمود!
رددت فى برود: والنظريات الفلسفية؟
صرخت فى خوف: بحبها، والله بحبها!
عدت التفت للطريق وهى تتشبث بكتفى ..
لا يا سادة، لن ينتهى الأمر بحادث سيارة مأساوى، إنها قصة سعيدة تماماً
وكيف لا تكون القصة سعيدة وأنا بجوارى إمرأة مثلها؟
أختيارات قليلة هى تلك التى تجعل من مسار حياتك طريق للسعادة الإجبارية، وأنا لم اكن يوماً من هؤلاء الذين يلجمون قلوبهم واضعين المعايير والشروط، كان قلبى يقودنى ويجر جسدى خلفه ربما ترك به بعض الندبات التى شفيت مع الزمن ولكنه أنطلق بى إلى مسار دائم من السعادة بجوار إمرأة اختارها لى هو، وكم أحسن الاختيار!

انطلقت بالسيارة عائداً للمنزل وأنا أتحدث طوال الطريق عن النظريات الفلسفية ..
أه حسناَ، نامت على كتفى فى النهاية ولكنها كانت توافقنى الرأى بهمهمات تصدرها أثناء نومها بين الحين والاخر كالاطفال، دعونى أخبركم إذاً بأحدى نظرياتى الفلسفية عن النهايات السعيدة ..
إنها دائماً هناك تنتظر كل منكم، فقط أخرج من الظلام ثم أركض واقفز وحلق ولا تتوقف وحين تقع لا تنسى أن تمسح مكان جرحك وتخرج له لسانك كالأحمق ثم تكمل الركض، فقط أركض بلا توقف حتى تجد من يشاركك الركض، وعندها ستجد أن السعادة شعور رائع .. للغاية!


***