السبت، 11 يونيو 2011

رحلة العودة - قصة قصيرة

"لك السلام" قالها ذلك الشاب الذى بدت معالم الإجهاد وأرهاق السفر الطويل عليه فنظر إليه الشيخ العجوز نظرة متفحصة ثم رد فى حذر: ولك!
افترش الشاب الأرض بجوار الشيخ الذى جلس على مشارف مدينة نينوس يرعى الغنم ثم تنهد بحرقة وقال بأعين زائغة: الطاعون ضرب مدينتى، فتك بقبيلتى بأسرها!
القى الشيخ نظرة روتينية على الأغنام وهو يسأل الشاب: هل فصلت روح عن جسد من قبل؟
التفت إليه الشاب قائلاً: ماذا تعنى؟
فرد الشيخ بحدة: أفصلت روح أحدهم عن جسده؟
أخذ الشاب نفساً عميقاً واجاب سائلاً: تقصد قتلت؟

-        لا تستخدم هذه الكلمة، فقط جاوب سؤالى!
-        لا لم افعل هذا، اقسم بميداسا لم افعل
-        وما هو ميداسا هذا؟
-        إله قبيلتى
-        أنت أحمق كإلهك الحجرى
-        كيف تجرؤ؟ لو لم تكن عجوزاً ..
-        إذاً تمتلك بعض الأخلاق!
-        وما أدراك أنت؟
-        أسمعت بيونس؟
-        أنا غريب عن بلادكم هذه
-        الشمس ستغرب عنا لتشرق بمكان أخر ومن بعد النور يأتى الظلام، ما الذى أتى بك إلى هنا يا فتى؟
-        جئت هارباً
-        وماذا تريد؟
-        أريد النوم، صارت الأحلام اكثر واقعية من تلك الحياة، يكفى إنها مليئة بالأمل، اريد النوم أيها العجوز، النوم فحسب!
-        أترى تلك الخيمة؟ تستطيع إشباع حاجتك من النوم هناك، وتستطيع أيضاً إحتساء بعض اللبن
-        ظننتك ستقول الخمر
-        أنا عجوز يا ولدى، ذهبت أيام الخمر إلى غير رجعة

تركه الشاب متجهاً للخيمة ولم تمض دقائق حتى ذهب فى سبات عميق، وفى الصباح أيقظه العجوز قائلاً: أفق يا فتى أشرقت الشمس!
فتح الشاب عيناه وجلس واضعاً يديه على رأسه ثم قال بصوت مرتجف: لقد حلمت به!
كان العجوز يعد بعض الطعام فقال دون إهتمام: من تقصد؟
رد الشاب بصوت ملؤه الرهبة: يونس!
انتفض الشيخ تاركاً كل شىء والتفت للشاب قائلاً بتوتر بالغ: قص على ما رأيت!
"كان يجلس بمرفأ بالبحر الأبيض يسأل الناس عن نينوس" قالها الشاب وهو يعصر رأسه ليذكر المزيد ..
أمسك الشيخ بذراعيه وقد أحمرّ وجهه سائلاً: وماذا أيضاً؟

-        لا أتذكر!
-        عليك التذكر يا فتى، لماذا يسأل يونس عن نينوس؟
-        اقسم بميداسا إننى لأستمع الأن لصوت الرعب!
-        وهل للرعب من صوت؟
-        نعم أيها العجوز للرعب صوت، صوت قاسِ، صوت ألاف البشر يصرخون، يونس يسأل عن عذاب الإله الواحد الذى سيحل بنينوس
-        إنها البداية إذاً!
-        بل قل النهاية!
-        كل نهاية تحمل خلفها بداية
-        حدثنى عن يونس، حدثنى عن الإله الواحد
-        الإله الواحد هو مالك وخالق كل شىء ويونس هو رسول من الإله الواحد إلينا أرسله ليبعد أهل نينوس عن الضلال وعبادة الاحجار
-        وماذا حدث بعدها؟
-        أتهموه بالجنون ورفضوا دعوته فحذرهم من عذاب الإله الواحد وغادر، احمل الطعام واتبعنى لنجلس خارج الخيمة، الأغنام بمفردها!

جلس الشيخ والشاب جواره يتناولان الطعام ثم أشار الشيخ إلى إحداهن قائلاً: انظر إلى تلك المرأة هناك!

-        ظننتك عجوز صالح!
-        هى نيتك السيئة فحسب، انظر إليها وهى تساعد طفلها على السير، ترى لماذا تضيع وقتها وتسير جواره رغم إنها تستطيع حمله والذهاب اينما تريد؟
-        إنها تعلمه المشى!
-        بالضبط، البشر بحاجة لبعض الوقت حتى يتعلموا وقد تركنا يونس قبل مضى مدة كافية لنتعلم

وقف الشاب فجأة صارخاً: انظر هناك!

-        ما الأمر يا فتى؟
-        دقق النظر أيها العجوز
-        لم تعد عيناى تقويان على الرؤية يا ولدى
-        غيوم سوداء كقطعة من ظلام الليل، دخان أسود فى السماء لقد أحال النهار ليلاً
-        إنه عذاب الأله الواحد، امسك بيدى يا ولدى لنذهب الى المدينة

إتجه العجوز مستنداً على الشاب إلى أحدى ساحات المدينة ..
وقف العجوز وسط الساحة يهتف بصوته العميق: يا قوم، جئت أنبئكم بعذاب الإله الواحد، إنه قادم إلينا جزاء ما فعلتموه بيونس!
اجتمع الناس حول العجوز ينظرون إلى الافق وقد بدت عليهم معالم الخوف الممزوج بالندم فهتف أحدهم: إذاً يونس كان على حق، إنه رسول الإله الواحد!
وهتف أخر: يا ويلتنا!
وبدء الجميع يصرخون: أين أنت يا يونس؟
حتى وصلهم نداء الشيخ فصمتوا جميعاً فرفع الشيخ يده هاتفاً بحدة: إفصلوا بين الأطفال وامهاتهم، إفصلوا بين الحيوانات والمراعى، ابكوا جميعاً ندماً على خطأكم فى حق الإله الواحد ورسوله، لن يسمع فى المدينة من اليوم إلا صوت البكاء!
وبكت المدينة حتى حلّ عنها عذاب الله حين كان يونس يجلس على متن أحدى السفن التى تتلاعب بها الامواج وكعادة أهل البحار قرروا القذف بأحدهم للبحر وإقترعوا قرعة الموت!
-        إنه يونس!
-        لا، لا يمكن أن نقذف بالرجل الصالح أعدّ القرعة يا رجل
-        يونس ثانية!
-        أعدّها مرة أخرى إذاً
-        يا للعجب، يونس مرة أخرى؟
-        إنه المقصود إذاً!
-        أنا افتديك بنفسى يا يونس
-        لا يا يونس، لا ترفض عرضه وتقذف بنفسك
-        لقد قفز فى البحر بالفعل!
-        انظروا هناك!
-        حوت!!
-        اعيدوا الرجل الصالح إلى السفينة سيأكله الحوت
-        لقد أكله الحوت، أرسلنا الرجل الصالح ليلقى الموت فى بطن الحوت

وبكى أهل السفينة حزناً على فراق يونس!

على أحد الشواطىء وقف يونس بعد رحلة فى بطن الحوت تعلم الدرس فيها كما تعلمه أهل نينوس وحينها إنتهت رحلة الدرس وبدأت رحلة العودة ..


***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق