الخميس، 17 فبراير 2011

حالة خاصة - قصة قصيرة

مع بداية التسعينات أزدهر العلاج النفسى وبدء يحقق نجاحات مدهشة فى علاج المرضى المساكين الذين عانوا من معاملة سيئة فى الثمانينات وما قبلها، وفى أحدى مستشفيات لندن والتى تخصصت فى العلاج النفسى كان الطبيب الشاب فريد واين يتقدم مع الدكتور جون ويل أشهر أطباء لندن فى مجال العلاج النفسى نحو غرف المرضى، وكان الغرض من هذه الجولة شرح الحالات للطبيب الشاب حتى يتثنى له متابعة الحالات ونوع المرض التى أصابها ولكن فريد لم يكن مهتم حقاً بتلك الحالات فجميعها تقليدية للغاية، كما أن تلك الحالة التى حدثه عنها الدكتور جون اثارت فضوله وأشعلت حماسه لذا قال فريد بإستسلام: حسناً هذا يكفى، أنا أتحرق شوقاً لرؤية الحالة التى أخبرتنى عنها!
ابتسم دكتور جون تلك الإبتسامة الهادئة التى تميزه وتبعث الطمأنينة فى قلوب مرضاه وقال بصوته الوقور: بالرغم من براعتك إلا أن هذا المجال لا يحتاج الفضول الزائد والتعجل
رد فريد بخجل: أنا اعلم ولكننى اريد رؤية حالة مختلفة فكل الحالات هنا تقليدية للغاية وقد تم البدء فى علاجها بالفعل ولكنه يحتاج فترات طويلة
هز الدكتور جون رأسه موافقاً وقال: حسناً اتبعنى!
توقف الرجلان امام تلك الحجرة الأشبه بالزنزانة ثم همس دكتور جون قائلاً: كما أخبرتك تلك الحالة تجمع مزيج من البارنويا (الإحساس بالإضطهاد) والاسكيزوفرنيا (الفصام) فمنذ وفاة والدتها وهى تظن أنها ملكة بريطانيا الحقيقية حتى إنها هاجمت موكب الملكة فأحضروها هنا ولكن هذا ليس ما يميز حالتها فبالرغم من إنها تنكر أمها ألا إنها تستيقظ فى منتصف كل ليلة وتبكى وتردد فى ألم "أريد امى" حتى يخدرها أحد الممرضين فتنام وتستيقظ بالصباح لتكمل دور الملكة!
رد فريد فى ذهول: إنها حالة غريبة بحق، وما أسمها؟
غمز دكتور جون بعينيه وهو يقول: اسمها كاثى وهى بارعة الجمال!
حك فريد رأسه وهو يقول بخجل: أنا هنا لمساعدتها فحسب
ربت  دكتور جون على كتفه وهو يهم بالرحيل قائلاً: حظ سعيد، إن أحتجت إستشارتى فى أى شىء ستجدنى بمكتبى
فرد فريد : بالتأكيد!
تابع فريد دكتور جون وهو  يغادر الممر ثم أتجه لباب الغرفة وأزال القفل الحديدى ثم فتح الباب بهدوء ودخل الغرفة التى انتشرت بها أشعة الشمس ..

كانت الفتاة تنظر عبر النافذة التى وضعت عليها قضبان حديدية كتلك الموجودة بالسجون ولم تشعر بوجود فريد بالغرفة حتى قال: صباح الخير كاثى، كيف حالك اليوم؟
قالها بصوت هادىء فالتفتت وألقت عليه نظرة متفحصة ثم قالت فى صرامة: هل أنت من ضباط الملكة المزيفة؟
قال فريد ببساطة وبصوت اقرب إلى الهمس: بل أنا هنا لمساعدتك ملكتى!
ابتسمت كاثى فى سعادة قائلة: إذاً أنت تعلم إننى الملكة الحقيقية، هؤلاء الاطباء والضباط الحمقى ينكرون هذا، وأنا عادة لا أحب شتاء انجلترا وأفضل قضاءه فى الريف!
قال فريد وهو يسجل بعض الملاحظات فى ذلك الكتيب الصغير: نعم، إنهم خونة!
اقتربت منه كاثى وهمست فى أذنه: أنت ستخرجنى من هنا، اليس كذلك؟ يجب أن يعلم الجميع إننى الملكة الحقيقية!
رد عليها فريد بصوت هامس: بالتأكيد ملكتى، أنا اعمل على هذا، سأغادر الأن وسأعود بالمساء
نظرت إليه كاثى بحذر وعادت تنظر من النافذة ثم قالت فى سخرية: لا أنا اكره الخضروات!
غادر فريد الغرفة فى حيرة متجهاً لمكتب دكتور جون وهو يفكر فى تلك الحالة ..
كان دكتور جون يدخن غليونه وهو يكتب تقرير عن أحد الحالات التى وصلت حديثاً حين طرق فريد الباب فقال جون بألية: أدخل!
فدخل فريد وجلس على مقربة من جون ثم قال فى شغف: معظم أعراض الإسكيزوفرنيا واضحة للغاية، تداخل الكلام والهلوسة السمعية ولكن بالرغم من ذلك فأنا أعتقد أن تلك الحالة ليست معقدة لهذه الدرجة
قال دكتور جون وهو يكمل كتابة التقرير: أنا واثق أنك قادر على إيجاد حل ما
اندفع فريد قائلاً: نعم، ولهذا اريد مساعدتك
ترك جون التقرير وسأل فريد بفضول: وكيف أساعدك؟
رد فريد بسرعة: أريد إذن لأخراج كاثى من المشفى الليلة وسأعود بها مرة أخرى على مسئوليتى
حك جون ذقنه وقال باهتمام: إنه أمر صعب ولكن ليس مستحيل، سأعطيك التصريح ولكن دون الرجوع للادارة ولكن عليك العودة بالفتاة قبل منتصف الليل
قال فريد بسعادة وهو يهم بالرحيل: سأفعل، ولكن ألا تريد أن تعرف لماذا اريد اخراج كاثى من المشفى؟
رد جون بهدوءه المعتاد: لا تكشف اسرار علاجك لأحد يا فتى
ابتسم فريد قائلاً بإمتنان: شكراً دكتور جون!
ظل فريد يبحث حالة كاثى فى مكتبه لفترة تجاوزت الاربعة ساعات حتى عندما حل موعد الغداء كان يأكل وهو يفكر فى فكرة علاج خاصة لتلك الحالة المميزة، وفى تمام التاسعة كان يقف امام حجرة كاثى وقد نضجت تلك الفكرة، الفكرة الخاصة للحالة الخاصة!
فتح فريد القفل الحديدى ودخل الغرفة فوجد كاثى تجلس هادئة فاقترب منها هامساً: لقد اعترفت السيدة التى كانت تخبر الجميع انك ابنتها بالحقيقة واعترفت أنك الملكة الحقيقية!
كانت عبارته صدمة عنيفة لكاثى التى ولولت قائلة: ولكنها ماتت، اليس كذلك؟
رد فريد ببرود: لا، هذا لم يحدث!
وهنا انفجرت كاثى باكية وهى تقول بضراعة: اريد رؤيتها، أرجوك!
همس فريد ثانية: حسناً، ولكن توخى الحذر
قادها فريد لعربته وانطلق بها نحو التلال حيث توجد المقابر ..
كانت الأمطار قد بدأت تتساقط بغزارة حين واصلت عربة فريد الطريق للمقابر واخيراً توقف فريد امام مدخلها وسحب كاثى خلفه وهو يقول بصوت هادىء: إنها هنا!
سألت كاثى بتعجب: أين؟
أشار فريد إلى شاهد القبر الذى كُتب عليه بخط عريض

"هنا ترقد إيزابيلا مارك الاخت العزيزة والام المخلصة"

ثم قال فى تأثر: إنها امك كاثى، امك الحقيقية إيزابيلا! إنها لا ترقد هنا فحسب، إنها تشاهدك الأن وهى معك دائماً ولكنها بالتأكيد حزينة لإنكارك لها!
أرتمت كاثى تحتضن شاهد القبر وهى تبكى دون قول كلمة واحدة
تركها فريد بعض الوقت وعاد إليها فوجدها واقفة تمسح دموعها وحين لاحظت وجود فريد قالت بصرامة: أنا أسفة، كنت حمقاء حقاً لقد اخطأت فى حق امى المسكينة
هز فريد رأسه موافقاً وابتسم فى زهو وهو يقود السيارة عائداً للمشفى حين قالت له كاثى بحذر: هل يمكنك التوقف قليلاً؟ أحب تلك الرائحة التى تتبع الأمطار
فتوقف فريد وخرج هو وكاثى ينظرون للندن من فوق حافة ذلك التل العالى وهنا قالت كاثى بخجل: أعتقد أن الجو ابرد من المتوقع سأحضر معطفى من السيارة
ثم اتجهت للسيارة ولكنها توقفت وعادت تطبع قبلة على جبين فريد قائلة بخجل: شكراً على كل شىء!
واتجهت نحو السيارة فتابعها فريد تمضى وأطلق لخياله العنان ..
إنه سيصبح أشهر طبيب نفسى بلندن، بل بالعالم بأسره، لقد عالج الحالة الخاصة التى عجز أستاذه  جون عن علاجها مؤكد سيصبح الأفضل فى هذا المجال، وكل هذا بفضل كاثى، تلك الفتاة بدت له رائعة بحق ..
ولكن لحظة! إنه لا يتذكر أنها كانت ترتدى معطف!
ولكن من يهتم لقد عالج الحالة الخاصة، وبينما هو غارق فى أحلامه دفعته يد بقوة ليسقط من اعلى التل ونظرة ذهول وغضب تعتلى وجهه
اطلت كاثى برأسها تنظر إليه أسفل التل وهى تقول بغضب هادر: خائن وعميل للملكة المزيفة!


***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق